ابن كثير

58

طبقات الشافعية

فرجع ولم يدخل ، فقال له الخادم : ادخل ، فقال : لا يحلّ افتراش هذا ، فقام الخادم مبتسما حتّى دخل بيتا قد فرش بالأرمني فدخل الشّافعي ، ثمّ أقبل عليه فقال : هذا حلال وذاك حرام ، وهذا أحسن من ذاك وأكثر ثمنا منه ، فتبسّم الخادم وسكت . قال : وأخبرني السّجستاني فيما كتب إليّ قال : حدّثني أبو ثور قال : أراد الشّافعي رضي اللّه عنه الخروج إلى مكّة ومعه مال ، فقلت له - وقلّ ما كان يمسك الشّيء من سماحته - : ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ولأولادك من بعدك ، فخرج ، ثمّ قدم علينا فسألته عن ذلك المال ما فعل به ، فقال : ما وجدت بمكّة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها ، أكثرها قد وقفت ، ولكن بنيت بمنى قصرا يكون لأصحابنا إذا ينزلون فيه . ورواه أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن محمّد الحافظ البخاري المعروف بغنجار حدّثنا خلف بن محمّد حدّثنا إبراهيم بن محمود بن حمزة حدّثني داود بن خلف بن خالد الكلبي يعني أبا ثور عن الشّافعي رضي اللّه عنه بهذا وزاد بعد قوله : ينزلون فيه قال : فكأنّي اهتممت ، فأنشد الشّافعي « 44 » قول ابن حازم : إذا أصبحت عندي قوت يومي * فجلّ الهمّ عنّي يا سعيد ولا تخطر هموم غد ببالي * فإنّ غدا له رزق جديد أسلّم ما أراد اللّه أمرا * فأترك ما أريد لما يريد وما لإرادتي وجه إذا ما * أراد اللّه لي ما لا أريد وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبي سمعت عمرو بن سواد السّرجي قال : كان الشّافعي رضي اللّه عنه أسخى النّاس على الدّينار والدّرهم والطّعام . وقال لي الشّافعي رضي اللّه عنه : أفلست من دهري ثلاث إفلاسات ، فكنت أبيع قليلي وكثيري حتّى حلي ابنتي وزوجتي ، ولم أرهن قطّ . قال : وحدّثنا أبي أخبرني يونس بن عبد الأعلى قال : قال الشّافعي : أفلست من دهري ثلاث مرّات ، وربّما أكلت التّمر بالسّمك .

--> ( 44 ) الدّيوان ص 39 .